مقالات وآراء

الزواج من منظور الدكتور مصطفي محمود

أنت لا تحس بالفانلة على جسمك إلا فى اللحظة التى تلبسها .. و فى اللحظة التى تخلعها .. أما فى الساعات الطويلة بين اللحظتين .. و هى على جسمك فأنت لا تحس بها ..
إنها على جسمك .. تلامس جلدك و تلتف حول صدرك و ظهرك و ذراعيك و لكنك لا تحس بها و لا تشعر بوجودها .

و المرأة بالمثل تحس بها و أنت تشرع فى الزواج منها فى فترة التعارف و الخطوبة و كتب الكتاب و شهر العسل .. فإذا لبستها تماما كالفانلة و أحاطت بصدرك و ذراعيك فقدت الشعور بوجودها .. و أصبحت مثل قطعة أثاث فى البيت تدخل كل يوم لتجدها فى مكانها .. مثل المنظر تطل عليه من نافذتك يثيرك للمرة الأولى ثم يصبح عاديا ثم تنساه تماما …
و تظل المرأة منسية كالفانلة .. حتى تأتى اللحظة التى يدب فيها الخلاف بينك و بينها و يتأرجح الزواج على هاوية الطلاق و تبدأ فى خلعها كما تخلع فانلتك .. و فى تلك اللحظة تعود للشعور بها بعنف و ترتجف من خشية فراقها .

إن الزواج الذى يسمونه الزواج السعيد .. الزواج الذى يدوم فيه الوداد و تنتظم فيه العلاقة بين الزوجين فى سياق رتيب هادىء .. يفتر فيه شعور كل واحد بالآخر و ينطفىء الوهج من قلب الاثنين ..

ما السر ؟ ..
السر فى كيمياء الأعصاب ..

إن أعصابنا مصنوعه بطريقة خاصة .. تحس بلحظات الانتقال و لا تحس بالاستمرار ..
حينما تفتح الشباك فجأة تسمع دوشة الشارع تملاء أذنيك ..
ثم تخف الدوشة شيئا فشيئا حينما يستمر صخبها فى أذنك ..
و حينما تركب الأسانسير تشعر به فى لحظة تحركه .. و فى لحظة توقفه .. أما فى الدقيقة الطويلة بين اللحظتين فأنت لا تشعر به لأن حركته تكون مستمرة ..

و حينما تنظر للشمس لأول مرة تغشى عينيك و لكنك حينما تتعود عليها تبحلق فيها دون أن تتأثر ..

و حينما تعيش متمتعا بصحة مستمرة لا تحس بهذه الصحة .. و لا تتذكرها إلا حينما تمرض.

و حينما تدخل السجن تفقد وزنك فى الشهور الأولى ، لأنك تحس بالفارق بين هواء الحرية و هواء الزنزانة .. ثم تتعود على الزنزانة فتفقد إحساسك بضيقها .. و تبدأ تأكل بشهية و تسمن ..

إن الدوام قاتل الشعور .. لأن أعصابنا عاجزة بطبيعتها عن الاحساس بالمنبهات التى تدوم ..
نحن مصنعون من الفناء .. و لا ندرك الأشياء إلا فى لحظة فنائها ..
نشعر بثروتنا حينما تفر من يدنا ..
و نشعر بصحتنا حينما نخسرها ..
و نشعر بحبنا حينما نفقده ..
فإذا دام شىء فى يدنا فإننا نفقد الاحساس به ..

* * *

كيف تحافظ الزوجة على زوجها و تجعل حبه يدوم ؟ ..

لا توجد إلا وسيلة واحدة .. أن تتغير .. و تتحول كل يوم إلى امرأة جديدة .. و لا تعطى نفسها لزوجها للنهاية ، تهرب من يده فى اللحظة التى يظن أنه استحوذ عليها ، و تنام كالكتكوت فى حضنه فى اللحظة التى يظن أنه فقدها .. و تفاجئه بألوان من العاطفة و الاقبال و الادبار لا يتوقعها .. و تحيط نفسها بجو متغير .. و تبدل ديكور البيت و تفصيله .. و ألوان الطعام و تقديمها .
على الزوجة أن تكون غانية لتحتفظ بقلب زوجها شابا مشتعلا ..
و على الزوج أن يكون فنانا ليحتفظ بحب زوجته ملتهبا متجددا ..
عليه أن يكون جديدا فى لبسه و فى كلامه و فى غزله .. و أن يغير النكتة التى يقولها آخر الليل .. و الطريقة التى يقضى بها إجازة الأسبوع .. و يحتفظ بمفاجأة غير متوقعة ليفاجىء بها زوجته كل لحظة ..

* * *

و زمان كانت الزوجة تتطوع بالرضا بالزوج على أنه قسمة و نصيب و تحبه كما تحب أمر الله .. و كان الزوج يتزوج ليعيش .. و كان الزواج ينجح لأنه مدعم بإرادة إلهية أقوى من الحب و أقوى من السعادة و أقوى من كل شىء .. كانت الزوجة تحب زوجها طيبا و تحبه مجرما .. وتحبه مريضا .. و تحبه صحيحا ..
و كان حبها فى الحقيقة تديناً و عقيدة أكثر منه حباً ..

أما الآن فالزوجة تقرأ الصحف و تدخل السينما و تسمع الاذاعة و تطلب من زوجها غراميات متواصلة من نوع غراميات روك هدسون ..

و لينجح الزواج لابد أن يكون الزوج بهلواناً .. و الزوجة بهلوانة .. ليضع الإثنان الشطة فى فطيرة الحب كل يوم ..

و بالطبع الزواج الآن ألذ من زمان .. و لكنه متعب و يغور بمشاكله ..

و أنا أفضل زواجا أستريح فيه على زواج أتشقلب فيه كل يوم لأحرك أعصاب زوجتى و أحافظ على حبها .. و أجدد شهيتها نحوى ..
أفضل أن تحبنى زوجتى فى تدين .. فأكون ربها و رجلها و بيتها و حياتها .. و يدوم حبنا لأنه عقيدة و إيمان قبل أن يكون حبا ..

لكن فين أيام زمان .. هذه أحلام ..
ليس أمامنا الآن فى هذا الجيل من البنات العفاريت .. غير ألاعيب روك هدسون ..
ليس أمامنا غير أعصاب زوجاتنا و تقديم المشهيات العاطفية من كل لون .. لنحتفظ بهن .. و ليحتفظن بنا ..

د. مصطفى محمود .

تعليقات

  • ali555
    رد

    اوافق بعض الشيء
    الفتور هذا لا يتاتي الا عند فقدان الهدف والتوجه
    ايضا لا يتاتي الا عند البزخ والترف المعيشي
    اما عند الكد والتعب لاجل المستقبل والاولاد
    نكون امام امتحان حقيقي لمدي حب الزوج والزوجة ومدي تناغمهما وتضحيتهما